انطلاق الثوار إلى معركة عاشوراء بريف اللاذقية

ريشة

نافذة بحرية

الحيوان أصدق الجميع

أكثر الصادقين حديثا بالشأن السوري منذ بداية الثورة كان بشار الأسد، وهو الذي أخبرنا بكل شيء تقريبا مما يجري اليوم، تحدث عن مؤامرة كونية، وعن إرهابيين متطرفين، وأشار إلى أنه مستمر ومستمر بقيادة البلد، تحدث دائما عن انتصاره، وأشياء كثيرة تثبت أنه كان عارفا بها.
الرجل ليس نبيا، لكنه أوتي من العلم ما جعله على بيّنة كيف ستسير الأحداث في سوريا، وهو الذي تتلمذ مجتهدا حين تلقى دروس والده في كيفية التعامل مع الأزمات بتغيير موضوعها وحرفها عن خطها الأساسي، واستعمال أقصى القوة مع الخارجين عن النص.
ثاني الدروس كان من اليهودية البولندية مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية سابقا، وكان ذلك عندما رعت تسليمه السلطة بسلاسة في سوريا عقب وفاة والده، ولا شك أنها أخبرته بأن عمره في السلطة سيكون طويلا، وقد فهم هذا الـ “طويلا” بأنه أكثر من السنوات الـ 11 التي قضاها في السلطة قبل انطلاق ثورة السوريين، ولعلّه خمّن ذلك بمقدار الضعف.
الأكثر صدقا، لأنه كان مصبّ تطمينات العالم الأمنية والعسكرية والسياسية بدءا من الواقي الأهم نتيناهو، ومن بعده مراكز صنع القرار في أمريكا وبريطانيا، التي أكدت وقوفها في وجه الطامحين بإزالته وجسدتها أفعالا، وهو وظّف كل ذلك في تصريحاته وظهوره الإعلامي، وتجنب إلى حد بعيد الخوض فيما لا يعنيه، مكتفيا بالحديث عن مآلات الحالة السورية بناء على كل المعلومات المؤكدة التي وصلته، فبدا صادقا في حديثه بهذا الشأن.
ألم يتحدث الرجل عن مؤامرة كونيّة على سورية، وكان دقيقا جدا، ونفّذ مخرجات المؤامرة بكفاءة عالية، ونظرة “دون تمحيص” على ما وصلت إليه سورية تؤكد ذلك.
أهم صدقيّة للأسد، كانت إشارته إلى أنه يحارب إرهابيين متطرفين يريدون إحياء الخلافة الإسلامية، وكانت لديه ثقة مطلقة بما قال، كيف لا، وهو أحد أهم الشركاء في تصنيع الفكرة وتوظيف القائمين عليها، وقد أهّل معظمهم في سجونه، ودرّبهم عمليا على تنفيذها من خلال تجارب عملية كلّفهم بها في العراق وقندهار.
وعندما يجري الحديث عن الإرهاب “وهو موجود فعلا” تعود إلى الظلّ كل الأحاديث الأخرى، وهكذا تراجع دور الثوار والمعتدلين، وباتوا الحلقة الأضعف بعدما اشترك في الحرب عليهم بشار وحلفاؤه من الميليشيات الطائفية وروسيا والفصائل الإرهابية.
سيدة العالم، أمريكا، أثبتت صدق الأسد حينما ساعدته بشكل مباشر وغير مباشر في إخلاء معظم الساحات له ولخصمه “الشكلي” الذي صنعه من الفصائل المتطرفة حينما وقفت متفرجة عليه يقصف مع الدب الروسي فصائل الجيش الحر والتشكيلات “المعتدلة” التي تدعمها أمريكا ذاتها من خلال غرفتي “الموم” و”الموك”، عدا عن تغاضيها عن التهام التنظيمات الإرهابية “التي تدعي محاربتها” لعدد من فصائل الجيش الحر.
لم يكن هناك من إمكانية لأن يظهر الأسد كاذبا وقد تحصّن بحليف هو القطب الثاني عسكريا في العالم وشريك طائفي مشحون بحقد وأموال لا حدود لهما هو إيران، وهذان يجعلان من كلام الأسد واقعا، ويجنّبانه أي مفاجأة توقعه في خانة الكذب.
على الطرف المقابل ظهر كل من ادعى عداء الأسد كاذبا، وأولهم أمريكا التي رسمت خطوطا حمراء جعلها الأسد أوتوسترادا عبره مرارا، واشتركت معها تركيا في رسم مثل هذه الخطوط، والنتيجة تتحدث عن نفسها.
الخليجيون توعدوه بقصر الأجل والموت سياسيا أو عسكريا، ولا يزالون حتى الآن يتابعون مشاهد تجواله منتصرا في حماة وريفها واللاذقية.
ولم يكن الأوربيون الذين ادعوا نصرة الحرية والديموقراطية والتغيير السلمي في سورية بأفضل حالا من البقية، وهم لم يفعلوا شيئا يدلّل على مصداقية مواقفهم.
كل العالم بما فيه روسيا تحدث عن رحيل الأسد، وكان الأكثر تورطا في هذا الحديث هم السوريون أنفسهم ممثلين بمعارضة طهت طبخة مجلسها الوطني على عجل، ومن ثمّ ائتلافها وهيئة تفاوضها، وجهّزت عشرات الأحزاب تحضيرا لاستلام السلطة خلال أيام، ولم تمض حتى الآن سوى 6 سنوات ونصف على بدء هذا الحديث، الذي أثبت أن المعارضة تستشف المستقبل الذي يحدث البارحة.
تيلرسون وزير خارجية ترامب، أشار أمس إلى أن لا مصير لعائلة الأسد في حكم سورية، وقد يكون في ذلك شيء مختلف، ولكن لن يكون غريبا أن ما قصده الوزير هو أن يحكم بشار إلى الأبد دون أن يتولى ابنه من بعده السلطة.